بعد لحظة الولادة، تُرسم في المخيلة الجماعية صورة مثالية للأم وهي تحتضن رضيعها بحب فوري وغام،. غير أن الواقع، في بعض الحالات، يكون أكثر تعقيدًا وأبعد عن هذه الصورة الرومانسية، إذ تعاني بعض الأمهات من مشاعر نفور أو برود عاطفي تجاه رضيعهن بعد الولادة، وهي حالة صامتة غالبًا ما تُقابل بالإنكار أو الخجل بدل الفهم والدعم.
ظاهرة موجودة لكنها غير معترف بها
نفور الأم من رضيعها لا يعني بالضرورة غياب الحب أو فشل الأمومة، بل قد يكون استجابة نفسية مؤقتة لجملة من الضغوط الجسدية والعاطفية. التغيرات الهرمونية الحادة بعد الولادة، الإرهاق الشديد، آلام الجسد، قلة النوم، إضافة إلى القلق والمسؤولية المفاجئة، كلها عوامل قد تؤثر في الرابط العاطفي المبكر بين الأم وطفلها.
بين الاكتئاب والضغط الاجتماعي
يرتبط نفور الأم أحيانًا باكتئاب ما بعد الولادة أو القلق النفسي، وهما حالتان شائعتان أكثر مما يُتصور، إلا أن الضغط الاجتماعي، الذي يفرض على الأم أن تكون “سعيدة وممتنة” طوال الوقت، قد يدفعها إلى كبت مشاعرها بدل طلب المساعدة، خوفًا من الوصم أو الاتهام بالتقصير.
مشاعر لا تُختار
تشير مختصات في الصحة النفسية إلى أن هذه المشاعر لا تكون خيارًا واعيًا، ولا تعكس نية سيئة تجاه الطفل. بل هي إشارات إنذار لحاجة الأم إلى دعم نفسي، واستراحة، واحتواء، تجاهل هذه المشاعر أو إنكارها قد يؤدي إلى تفاقمها، بينما الاعتراف بها هو الخطوة الأولى نحو التعافي.
دور الأسرة والمجتمع
يلعب المحيط الأسري دورًا محوريًا في تجاوز هذه المرحلة. فالدعم العملي، مثل المساعدة في رعاية الطفل، والدعم العاطفي القائم على الاستماع دون أحكام، يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا، كما أن رفع الوعي المجتمعي بهذه القضية يساهم في كسر الصمت، وتشجيع الأمهات على طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
نحو أمومة أكثر إنسانية
الأمومة ليست تجربة واحدة متطابقة للجميع، بل رحلة إنسانية مليئة بالتحديات والتباينات. الاعتراف بأن نفور الأم من رضيعها قد يحدث، وأنه قابل للعلاج والدعم، هو خطوة ضرورية نحو أمومة أكثر رحمة وإنصافًا.


