*محمد الوسطاني
شهدت مدينة القنيطرة مساء السبت 22 نونبر 2025 أمسية ثقافية بارزة، شكلت نقطة مضيئة في المشهد الأدبي المغربي، حيث احتضن المقهى الثقافي Le Saphir Palace ضمن أنشطة شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب حفل تقديم وتوقيع رواية “ولد الخيرية” للكاتب خليل خيي. وهو الاحتفاء الذي حضره جمع غفير من المثقفين والمهتمين والنقاد والأصدقاء.
وقد أثرى الأمسية مداخلات نقدية عميقة قدمها كل من ذ. الحبيب السيتل وذ. إدريس الصغير، الذين فككا خيوط هذا العمل (الروائي) الجديد الذي تناول قصة من رحم البيئة الاجتماعية، مستعرضين جماليات السرد فيه وعمق الشخصيات، إلا أن ما ميز هذه الندوة وحوّلها إلى منتدى فكري هو النقاش الحاد والموضوعي الذي دار حول إشكالية تجنيس هذا العمل.
إشادة مستحقة لـ “شبكة المقاهي الثقافية” حاصنة الإبداع.
لا يمكن الحديث عن نجاح هذا اللقاء دون التنويه بالدور الريادي الذي تلعبه شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب في نشر الوعي وربط المبدع بجمهوره، وتحويل فضاءات القهوة اليومية إلى محاريب للمعرفة. وبشكل خاص، يستحق المقهى الثقافي Le Saphir Palace وصاحبه الدكتور أبو الوفا البقالي كل الإشادة والتقدير.
فقد أثبت الدكتور البقالي، من خلال احتضانه المتواصل لمثل هذه الفعاليات النوعية، التزاماً راسخاً بتوفير منصة حرة ومحفزة للنقاش الأدبي والفكري في مدينة القنيطرة. ضمن مبادرات لا تقتصر على كونها فعاليات عابرة، بل تمثل استثماراً حقيقياً في الرأسمال الثقافي للمنطقة، وتؤكد على أن المقهى الثقافي بات شريكاً أساسياً وضرورياً في دينامية المشهد الثقافي الوطني. وبفضل هذا الدعم الشخصي، أصبحت الندوات الأدبية بعاصمة الغرب قادرة على التعمق في القضايا الفكرية المعقدة، كما حدث مع رواية “ولد الخيرية”.
جدلية التجنيس: متى تكون “الرواية” سيرة ذاتية؟
شكلت إشكالية تجنيس عمل الأستاذ خليل خيي النقطة المحورية التي سرقت الأضواء وأثارت زوبعة من النقاشات بين المتدخلين والجمهور. ورغم إعلان الكاتب الواضح وتأكيده على أن عمله يندرج تحت تصنيف “الرواية” صدقا او مخاتلة، وهو حقه الأصيل الذي لا ينازع فيه، إلا أن المتلقي والمحلل وجد نفسه أمام نص يكسر ببراعة الحدود التقليدية للفن الروائي.
فقد طرح المشاركون العديد من التساؤلات المشروعة، خاصة وأن العمل احتوى أدلة بصرية وسردية قوية تميل به إلى الفضاء السير الذاتي. ومن أبرز هذه الأدلة، كانت صورة الكاتب في مرحلة الطفولة التي وضعت على الغلاف، إلى جانب السرد الدقيق والمفصل لـ “حياته الحقيقية” وتجاربه الشخصية في بيئة “الخيرية”. بل إن شهادات الحضور من أصدقاء الكاتب جاءت لتؤكد تطابق العديد من الأحداث المسرودة مع وقائع عاشها الكاتب فعلياً.
هذا التداخل المثير بين الواقع المعيش والخيال الفني أدى إلى نقاش فكري حاد حول المفهوم الحديث لـ “السيرة الروائية” أو “التخييل الذاتي” (Autofiction)، حيث يمزج الكاتب بين تجربته الشخصية ومهاراته في التخييل. وقد أشار النقاد إلى أن هذا التضارب والتأرجح بين التصنيف المعلن والمحتوى الواقعي يخلق نوعاً من التشويش اللذيذ والمحفز على القراءة لدى المتلقي، ويثير السؤال النقدي العميق: إلى أي مدى يمكن للمبدع أن ينفصل عن ذاته وهو يكتب عنها؟ وهل يكتب ذاته أم يخلقها لغويا؟ هذا الجدل النقدي حول هوية النص، أضفى ثراءً لا يستهان به على الرواية، مؤكداً على قدرة الأدب الحقيقي على إثارة الأسئلة بدلاً من تقديم الإجابات.
خاتمة: لقاء جمع الإبداع والاحتفاء.
في الختام، نجحت ندوة رواية “ولد الخيرية” في تحقيق أهدافها ليس فقط بالاحتفاء بعمل أدبي جديد، بل بفتح نافذة للنقاش الجاد حول القضايا النقدية الجوهرية التي تلامس علاقة النص بالواقع وتجنيس الأعمال الأدبية في زمننا الحالي.
لقد أكدت هذه الأمسية، التي اختتمت بفقرات توزيع الشوهد التقديرية وتوقيع الرواية، على الدور الحيوي للمؤسسات الثقافية غير الحكومية، وفي مقدمتها شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب ومقهى Le Saphir Palace، كقلاع حقيقية تدعم الحركة الأدبية وتحرص على أن يظل الفعل الثقافي حياً وخصباً في مدينة القنيطرة. وبذلك، غادر الجمهور قاعة الندوة مثقلاً بالأسئلة النقدية ومتحمساً لقراءة عمل أدبي فرض نفسه بقوة على الساحة.


